خليل الصفدي

464

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان في إصطبله على البركة مائة سطل نحاس لمائة سائس ، كل سائس على ستة أرؤس غير ماله في الجشارات والقرايا ، ومع هذه العظمة والتقدم والتمكن ، لم يكن له حماية ولا رعاية ، ولا لغلمانه ذكر ، ومن المغرب يغلق باب إصطبله ، وما لأحد به حس ، وكان يتلطّف بالناس ، ويقضي حوائجهم ، ويسوسهم أحسن سياسة ، وما يخالفه السلطان في شيء ، وكان يحجر على السلطان ، ويمنعه من مظالم كثيرة ، ظهرت من السلطان بعد موت بكتمر - رحمه اللّه تعالى - . ولما تزوّج آنوك ابن السلطان - على ما تقدّم في ترجمته - كنت أنا بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، ورأيت السوار الذي حمل من داره التي على بركة الفيل إلى القلعة ، وكان عدة الحمالين ثمانمائة حمال المساند الزركش ، عشرة على أربعين حمالا المدورات ، ستة عشر حمالا الكراسي ، اثني عشر حمالا كراسي لطاف ، أربعة حمالين فضيّات ، تسعة وعشرين حمالا سلم الدكك ، أربعة حمالين الدكك والتخوت الأبنوس المفضضة والموشقة ، مائة واثنين وستين حمالا النحاس الكفت ، ثلاثة وأربعين حمالا الصيني ، ثلاث وثلاثين حمالا الزجاج المذهب ، اثني عشر حمالا النحاس الشامي ، اثنين وعشرين حمالا البعلبكي المدهون ، اثني عشر حمالا الخونجات والمخافي والزبادي النحاسي ، تسعة وعشرين حمالا صناديق الحوائج‌خاناه ، ستة حمالين وغير ذلك تتمة العدّ ، والبغال المحمّلة الفرش واللحف والبسط ، والصناديق التي فيها المصاغ تسعة وتسعين بغلا . وقال لي المهذب الكاتب : الزركش ، والمصاغ ثمانون قنطار ذهب بالمصري . وكان مما لبكتمر على السلطان من المرتّب في كل يوم مخفيتان ، يأخذ عنهما من بيت المال في كل يوم سبعمائة درهم ، كل مخفية ثلاثة مائة وخمسون درهما ، وكان السلطان إذا أنعم على أحد بشيء ، أو ولاه وظيفة حتى يبوس الأرض ، ويبوس يده ، يقول له : روح إلى الأمير ، وبوس يده . وعلى الجملة فكان أمره غريبا ، ولقد كان - رحمه اللّه تعالى - أهلا لتلك النعم الجمة ؛ لأنه كان جيّد الطباع ، حسن الأخلاق ، ليّن الجانب ، سهل الانقياد - رحمه اللّه تعالى - . وكنت قد قلت : ( المتقارب ) بذلت موجودي إذ زارني * حبّي وأدنت على الباقي فقال لي دم هكذا قلت هل * تحسبني بكتمر السّاقي